تعيش الساحة الدولية حالة من الذهول أمام قرارات ترمب التي تتسم بالحدة،
بدءاً من التهديد بضم أراضٍ مثل غرينلاند، وصولاً إلى التدخلات العسكرية الخشنة (كما
حدث في العملية المتخيلة في فنزويلا). لكن ستورتون يدعونا للتوقف عن الاندهاش؛
فالتاريخ الأمريكي حافل بالرؤساء الذين ضربوا بالقانون الدولي عرض الحائط عندما
تعارض مع "المصلحة الوطنية" أو "القدر المتجلي".
- تؤكد أونا آيه هاثاواي، أستاذة القانون بجامعة ييل، أن ما نراه اليوم هو "الانحلال
الكبير" للنظام القانوني الدولي. ولكن، هل كان هذا النظام يوماً مقدساً لدى
واشنطن؟ يجادل الكتاب بأن الولايات المتحدة، التي نصبت نفسها حامية للديمقراطية في
القرن العشرين، كانت في القرن التاسع عشر دولة توسعية لا تشبع، لا تقيم وزناً
لسيادة الآخرين إذا ما رغبت في الاستحواذ على أراضيهم.
2.
الجذور الدينية من "المدينة فوق التل" إلى
القومية المسيحية
من أكثر الجوانب إثارة للحيرة لدى المراقبين الغربيين هو التحالف الوثيق
بين القوميين المسيحيين ودونالد ترمب، رغم التناقض الصارخ بين سلوكياته الشخصية
والقيم الأخلاقية المسيحية. يفكك إدوارد ستورتون هذا اللغز بالعودة إلى عام 1530،
وتحديداً إلى جون وينثورب، المستوطن البيوريتاني (الطهراني) الذي أسس مستعمرة
"ماساتشوستس باي".
عقيدة وينثورب والصرامة الإلهية
وينثورب هو صاحب مقولة "المدينة فوق التل"، التي استخدمها رؤساء
مثل كينيدي وريغان وأوباما كاستعارة للنموذج الأمريكي الملهم. لكن الجانب المظلم
لوينثورب، كما يوضح ستورتون، هو إيمانه بأن الدولة يجب أن تنفذ "القوانين
الإلهية" بقسوة مفرطة، بما في ذلك الجلد والنفي والإعدام للمخالفين.
- هذا الإرث الطهراني هو ما يفسر دعم "ماغا" (MAGA) لترمب؛ فهم لا ينظرون إليه
كقديس، بل كـ "أداة إلهية" لاستعادة أمريكا المسيحية الأصلية. بالنسبة
لهم، تعيين قضاة المحكمة العليا لنقض قرارات مثل "رو ضد ويد" (الإجهاض) هو
الوفاء الحقيقي بالعهد، تماماً كما كان وينثورب يرى القسوة وسيلة لتحقيق الغاية
السامية.
3.
شهية التوسع الإمبريالية الأمريكية ليست طارئة
حين يتحدث ترمب عن شراء غرينلاند أو طمعه في أجزاء من كندا، يضحك البعض
معتبرين ذلك "تهريجاً سياسياً". لكن ستورتون يذكرنا بأن الولايات
المتحدة بنيت على "صفقات عقارية" قسرية وتطهير عرقي.
قرن المصادرة (القرن التاسع عشر)
·
صفقة لويزيانا (1803):
قام توماس جيفرسون بشراء 530 مليون فدان من نابليون
بونابرت، وهي أرض لم تكن فرنسا تملكها فعلياً، بل كان يقطنها نصف مليون من السكان
الأصليين الذين تعرضوا لاحقاً للإبادة والتهجير.
·
الحرب المكسيكية الأمريكية: أرغمت واشنطن المكسيك على التنازل عن أكثر من نصف أراضيها (كاليفورنيا،
نيفادا، أريزونا...).
يقول ستورتون إن الولايات المتحدة
استخدمت "كل حيلة ممكنة" للنمو، من الدبلوماسية الحادة إلى الغزو الصريح.
لذا، فإن سياسات ترمب اليوم ليست سوى عودة إلى "النموذج الأصلي" للإمبريالية
الأمريكية التي كانت تركز على النتائج وتتجاهل الوسائل.
4.
ازدراء القانون والخصوم أشباح آدامز وجاكسون
يتهم ترمب دائماً باحتقار القضاء واستخدام الدولة لتصفية الحسابات مع
خصومه. في كتاب "صُنع في أميركا"، نجد أن هذه السلوكيات لها "آباء
مؤسسون" أيضاً:
·
جون آدامز (الرئيس الثاني):
وقع قانوني "الأجانب والفتنة" لسجن المعارضين
وحظر الكتابات التي تنتقد الحكومة، وهو ما يشبه هجوم ترمب المستمر على "الإعلام
المزيف" (Fake News).
·
أندرو جاكسون (الرئيس السابع):
البطل المفضل لترمب، والذي وصفه ستورتون بـ "الوحش".
جاكسون هو الذي رفض تنفيذ حكم للمحكمة العليا لصالح السكان الأصليين، وتحدى رئيس
المحكمة قائلاً: "لقد أصدر جون مارشال قراره، فليجرب الآن كيف سينفذه".
- هذا "الاستئساد" الرئاسي على
السلطة القضائية هو جوهر الترمبية، حيث يُنظر إلى الرئيس كإرادة شعبية تعلو فوق "البيروقراطية
القانونية".
5.
الحماية التجارية دروس من عهد ويليام مكينلي
الرسوم الجمركية التي يفرضها ترمب على الصين وأوروبا تُصنف غالباً كجنون
اقتصادي. لكن ستورتون يعيدنا إلى نهاية القرن التاسع عشر وعهد الرئيس ويليام مكينلي، الذي رفع الرسوم الجمركية إلى مستويات تقارب 50%. كان
هذا التيار الحمائي جزءاً أصيلاً من الهوية الاقتصادية للحزب الجمهوري القديم، قبل
أن تتبنى أمريكا سياسة التجارة الحرة بعد الحرب العالمية الثانية. ترمب ببساطة
يعيد الحزب إلى جذوره الحمائية التي سبقت العولمة.
6.
مكارثية جديدة أم ثأر شخصي؟
يطرح الكتاب مقارنة بين ممارسات ترمب والمكارثية
في الخمسينيات. ورغم وجود تقاطعات في "إساءة استخدام الإجراءات
الحكومية"، إلا أن المراجعات النقدية للكتاب (مثل مراجعة تشارلي إنغليش) تشير
إلى فرق جوهري: مكارثي كان مدفوعاً بهوس أيديولوجي (مكافحة الشيوعية)، بينما يتحرك
ترمب بدافع "الثأر الشخصي" الخالص ضد كل من أهانه أو عارضه.
7.
الخاتمة فهم أمريكا من خلال ترمب
ينجح إدوارد ستورتون في تقديم مرافعة فكرية تثبت أن دونالد ترمب ليس مجرد "ظاهرة
عابرة"، بل هو مرآة تعكس الجوانب المظلمة والمكبوتة في التاريخ الأمريكي. الكتاب
يوجه رسالة قاسية للعالم: إذا أردتم فهم أفعال ترمب، فلا تنظروا إلى حساباته في
منصات التواصل الاجتماعي فحسب، بل اقرأوا تاريخ "الاستيطان الأول" وقصص "التوسع
نحو الغرب".
- لقد انتهى ستورتون إلى قناعة مفادها أنه "ليس من الممكن فهم
أمريكا دون فهم ترمب". فالترمبية هي النسخة
الحديثة من تيار إمبريالي، شعبي، ومعادٍ لليبرالية، كان دائماً موجوداً تحت سطح "الديمقراطية
المستنيرة"، وينتظر اللحظة المناسبة للظهور مرة أخرى.
بيانات الكتاب المذكور في التحليل:
·
العنوان: Made in America: The Dark History That Led to
Donald Trump
·
تأليف: إدوارد ستورتون (Edward Stourton)
·
الناشر: Torva
·
سنة النشر المذكورة:
2026